
عمر الهادي.. صحفي مصري.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.

عمر الهادي.. صحفي مصري.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.
Asad — Wed, 2012/02/15 - 11:00am
حصلت «المصرى اليوم» على وثيقة صادرة من هيئة الأوراق والأسواق المالية الأمريكية بتاريخ 29 مايو 2009، تكشف تفاصيل قضية فساد حققت فيها الهيئة بشأن حصول لواء سابق بالقوات الجوية المصرية على مبالغ مالية من الشركة المتحدة للتنمية الصناعيةUIC لتسهيل منحها عقوداً بالأمر المباشر.
وتكشف أوراق التحقيق عن تلقى الضابط المصرى السابق 564 ألف دولار أمريكى (نحو 3 ملايين و380 ألف جنيه مصرى) تحت مسمى «خدمات استشارية وتسويقية» منذ عام 1997 وحتى نهاية 2002، وهى الفترة التى امتدت خلال قيادة الفريق أحمد شفيق والفريق مجدى شعراوى القوات الجوية، فيما حصلت الشركة الأمريكية على عقود اقتربت قيمتها من 64 مليون دولار (نحو 384 مليون جنيه)، لتنفيذ مشاريع تتعلق بطائراتF16، خلال الفترة من 1999 إلى 2004.
وتشير تفاصيل القضية إلى أن الشركة استأجرت الضابط السابق، الذى لم يتم الكشف عن هويته، لـ«إقناع القوات الجوية باستئجارنا كمقاول للمشروع»، فيما زعم اللواء المتقاعد أنه «نجح فى جعل القوات الجوية المصرية تمارس كل الضغوط على القوات الجوية الأمريكية، لتنفيذ عقد المصدر الوحيد (الأمر المباشر)»، وطلب أموالاً لـ«ضمان ولاء الفريق»، على حد قوله. وتنشر «المصرى اليوم» تفاصيل التحقيق كبلاغ للنيابة العسكرية المختصة بموجب المادة رقم (8 مكرر أ)، التى قرر المشير حسين طنطاوى إضافتها إلى قانون القضاء العسكرى رقم 25 لسنة 1966، وتم نشرها فى الجريدة الرسمية بتاريخ 10 مايو 2011، التى تنص على أن «القضاء العسكرى يختص دون غيره بالفصل فى جرائم الكسب غير المشروع، التى تقع من ضباط القوات المسلحة، ولو لم يبدأ التحقيق فيها إلا بعد تقاعدهم».
كانت النيابة العامة قد أعلنت رسمياً فى 24 مايو الماضى أنها أخطرت هيئة القضاء العسكرى بما أثير فى البلاغات ضد الرئيس السابق حسنى مبارك من «شبهة عمولات فى صفقات السلاح»، كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر عسكرى فى 6 يوليو الماضى قوله إن النيابة العسكرية فتحت بالفعل تحقيقاً فى اتهامات ضد مبارك وحسين سالم وصفوت الشريف وحبيب العادلى تتعلق بقبض عمولات غير مشروعة من عقود تسليح.
«المصرى اليوم» تنقل تفاصيل التحقيق كما وردت فى ملف هيئة الأوراق والأسواق المالية الأمريكية.
فى أكتوبر 1999، منحت القوات الجوية الأمريكية لشركةACL مشروع بناء مستودع طائرات(F16) المقاتلة للقوات الجوية المصرية، من أجل تزويد وتشغيل وتدريب العمالة المصرية على استخدام المعدات المرتبطة بالمستودع.
وتم منح شركةACL مسؤولية مشروع مستودع طائراتF16 كجزء من برنامج المبيعات العسكرية الخارجية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية«FMS»، من خلال الدخول فى عقود مع مقاولى الدفاع فى القطاع الخاص.
وتبعاً لذلك، فإن المشترى والمستخدم النهائى لمستودع طائرات الـ«F16» المقرر بناؤه، هو القوات الجوية المصرية، وهى التى ستحدد متى وإلى أى مدى وكيفية إنفاق الأموال على ذلك المشروع.
ورغم أن القوات الجوية المصرية كانت العميل فى مشروع المستودع المصرى لطائرات«F16»، فإن شركة«ACL» لم تدخل فى أى ترتيبات رسمية بشكل مباشر مع القوات الجوية بمصر، بل كانت الالتزمات التعاقدية للشركة بشأن المشروع مع سلاح الجو الأمريكى، الذى خدم كوسيط فى المشروع، وقام بالإشراف على المسائل اللوجسستية والمشتريات.
علاوة على ذلك، بإمكان القوات الجوية المصرية اختيار مقاول خاص بالمشروع من خلال طلبات «المصدر الوحيد» (أو ما يعرف بالأمر المباشر)، وهو ما يعنى تجنب عملية «المناقصة التنافسية العادية»، ويؤدى إلى عقد «دون مناقصة» لصالح المستفيد من هذا الطلب.
فيما يتعلق بالمشروع المصرى لبناء مستودع طائراتF16، قدمت القوات الجوية المصرية بالفعل طلب «المصدر الوحيد» للحصول على خدمات شركةACL، وفى عام 1999 تم منح الشركة عقد المشروع.
وإجمالياً، فإن قيمة المشروع المصرى لبناء مستودعF16، بما فى ذلك عقد الاندماج الرئيسى، وغيرها من التعديلات والإضافة على العقود، اقتربت من 64 مليون دولار أمريكى، بإجمالى أرباح لشركةACL بلغ 8.6 مليون دولار فى الفترة من 1999 حتى عام 2004، وهو ما يمثل أكثر من ثلث إجمالى العائدات لشركةACL خلال الفترة نفسها.
«الجنرال المتقاعد» تسلم أكثر من 3 ملايين جنيه لترسية عقود تسليح بالأمر المباشر
بحلول ديسمبر 1996، استخدم وورتزل، بصفته رئيس شركةACL، وكيلاً أجنبياً، وهو جنرال سابق بالقوات الجوية المصرية للعمل كمستشار لشركةACL، للمساعدة فى التأثير على القوات الجوية لدفع «المشروع المصرى لمستودع طائراتF16» إلى الأمام وإتمام العملية، وفى أواخر ديسمبر 1997، صرح رئيس الشركة بصرف رواتب شهرية لهذا الوكيل المصرى بـواقع 4 آلاف دولار أمريكى، فى الوقت الذى لم تحتفظ به الشركة بأى ملفات حول هذا الوكيل، كما لم يوجد عقد رسمى معه حتى 13 مارس 1998، حين وصل راتبه الشهرى إلى 20 ألف دولار.
وكما ذكر رئيس شركةACL فى مراسلاته مع الوكيل، فإن هدف التعاقد معه كان واضحاً وهو «إقناع القوات الجوية باستئجارنا كمقاول للمشروع»، ونظراً لعمله سابقاً فى القوات الجوية المصرية، فإن احتمالية تأثير الوكيل على عملية التعاقد عالية، كما أوضح نائب رئيس الشركة ومدير البرامج لمشروع بناء مستودع طائراتF16 فى مصر، أنه «مجتمع صغير جداً من الأفراد العسكريين رفيعى المستوى»، بالإضافة إلى ذلك، كان رئيسACL على علم بأن الوكيل يحتفظ بعلاقات شخصية مع مسؤول واحد، على الأقل، داخل القوات الجوية.
وفى أكتوبر 1999، أذن رئيس شركة ACL للوكيل، عبر شركته، بمواصلة القيام بدوره الاستشارى للشركة للحصول على أعمال، وتواصل دور الوكيل، كونه مستشار الشركة فى مصر، من خلال اتفاق استشارى جديد معه فى نوفمبر عام 1999.
وقال رئيس ACL عن هدف استمرار عقد الاستشارة فى رسالة إلى الوكيل فى فبراير 2001 عبر البريد الإلكترونى: «نحن مهتمون بدفع أموال لصالح أعمال أخرى جديدة إذا كنت تستطيع عمل ذلك.. إن جهود التدريب تحتاج إلى بعض النفوذ لضمان عدم استبعادنا ويجب على القوات الجوية أن تواصل الاعتماد على دعمنا بعد الانتهاء من بناء المستودع».
وتشير جملة «الاعتماد على دعمنا» إلى تعديل العقد، للسماح لشركةACL بمواصلة مساعدة القوات الجوية المصرية فى صيانة مستودع الطائرات الجديد بعد الانتهاء من عملية البناء.
وفى أبريل عام 2000، أذن رئيسACL، بشكل منفصل أيضاً، للوكيل المصرى بالعمل كمقاول فرعى محلى للشركة (مقاول من الباطن) فى المستودع المصرى لطائراتF16.
وفى بداية خريف عام 2000، دفعت شركةACL مصروفات دورية لوكيلها، الذى قدم فواتير شهرية للشركة عن خدماته ومصاريفه كـ«مدير برنامج» فى هذا المشروع مع أجر يتراوح بين 4.300 دولار و11 ألف دولار شهرياً.
لكن تلك المصروفات كانت منفصلة عن رسوم الاستشارات التى يقدمها الوكيل لشركةACL، والتى وصلت فى شهر أغسطس 2000 إلى 434 ألف دولار، ومع ذلك كانت الشركة متأخرة بشكل روتينى فى دفع المصروفات للوكيل بموجب عقد العمل الفرعى، وذلك لأن شركةACL قامت بإدخال عمل الوكيل فى الورقة المقدمة إلى سلاح القوات الجوية الأمريكى، لتسديد التكاليف المادية الإجمالية لمشروع المستودع المصرى.
بحلول منتصف 2001، استكملت شركةACL التزاماتها المتبقية بموجب اتفاق الاستشارات، الذى تم إعداده مع الوكيل فى نوفمبر 1999، ولم يتم تجديده فى ذلك الوقت.
ومع ذلك، كما ورد فى رسالة بالبريد الإلكترونى من الوكيل فى يونيو 2001، فإن «رئيس شركةACL وعد بمواصلة دفع الرسوم الاستشارية إما من خلال عقود تلك الخدمة أو بأى طريقة أخرى».
ونتيجة لذلك، منذ منتصف 2001 حتى 2002، اتصل الوكيل برئيس الشركة بشكل منتظم من أجل طلب مجموعة متنوعة من المدفوعات، جزء منها متعلقبسداد التكاليف التى دفعها لعمل شركته بشكل مشروع، وجزء منها طلبات للحصول على أموال إضافية فى ظروف تشير بقوة لأن المدفوعات سيتم استخدامها بشكل غير مشروع، ووافق رئيس الشركة على صرف دفعات للحصول على أموال إضافية.
خلال أوائل عام 2001، سعت ACL للحصول على عقد جديد، معروف باسمCETS، وكان متعلقاً بالمشروع المصرى لبناء مستودعF16.
تضمن عقدCETS تقديم المساعدة الفنية للعاملين فى قاعدة سلاح الجو، الواقعة فى منطقة حلوان بالقاهرة، وهو المكان الذى سيتم بناء مستودع الطائرات به، وبالتالى يتلقى أفراد القوات المسلحة المصرية تدريبات عملية للقيام باختبارات وإصلاحات على طائراتهم.
وساعد الوكيل شركةACL على الحصول على هذا العقد الإضافى، وفى أغسطس 2001، علمتACL أن القوات الجوية المصرية تقدمت بتوصياتها للقوات الجوية الأمريكية بمنح ACL عقد «المصدر الوحيد» لمشروعCETS.
فى ديسمبر 2001، أى قبل شهور من منح مشروعCETS إلى شركةACL بشكل رسمى، أرسل الوكيل رسالة عبر البريد الإلكترونى إلى رئيس شركةACL ليخبره بأن الشركة يمكنها أن تتوقع الحصول على مشروعCETS بشكل رسمى فى المستقبل القريب، لأنه «نجح فى جعل القوات الجوية المصرية تمارس كل الضغوط على سلاح القوات الجوية الأمريكية لتنفيذ عقد المصدر الوحيد».. وأضاف الوكيل فى رسالته: «من المهم جدا أن نبدأ بتقديم الحوافز التى ناقشناها قبل نهاية العام، وكان من الأفضل إرسالها قبل العيد، ولكننا لن نسطيع القيام بذلك الآن».
«اللواء المجهول»: نحمد الله أن رجالنا مازالوا في مواقعهم.. ويطلب أموالاً إضافية لـ«ضمان ولاء فريقنا»
وللمساعدة على توفير الحوافز، طلب الوكيل دفعة منفصلة مقدماً وبصرف النظر عن المبالغ المستحقة على الفواتير التى قدمها بموجب عمله المحلى فى مصر.
ورغم عدم تقديم أى مدفوعات منفصلة من قبل شركةACL فى ذلك الوقت، حولت الشركة حوالى 114 ألف دولار بموجب الفواتير الواردة من الوكيل، خلال أسبوع واحد بناء على توجيهات رئيس الشركة.
فى يناير 2002، أرسل الوكيل بريداً إلكترونياً آخر لرئيس شركةACL يطالبه فيه بصرف أموال لتغطية الفواتير المستحقة، بالإضافة إلى أموال إضافية «لضمان ولاء فريقنا، بعد أن بدأت شكوكهم تظهر حول التزامنا معهم».
وعندما لم ترسل الشركة أى أموال جديدة للوكيل حتى آواخر فبراير 2002، أرسل الوكيل بريداً إلكترونياً جديداً أكثر إلحاحاً لرئيس الشركة يقول فيه: «مبروك على عقدCETS، ونحمد الله أن الأشخاص الرئيسيين ما زالوا فى مواقعهم حتى الآن.. نحن فى حالة حرجة للغاية للحصول على حق منفعتنا جراء الحصول على هذا العقد، وينبغى علينا أن نرضى رجالنا، وفى الواقع، نحن لانستطيع القيام بذلك من مصادرنا الخاصة كما كنا نفعل من قبل».
وفى مارس، 2002، أرسلت شركةACL، بموجب توجيهات رئيس الشركة، المبالغ المستحقة للوكيل بناء على الفواتير الماضية المستحقة له، ولكنها لم تقدم الأموال التى طلبها فى البريد الإلكترونى الذى أرسله فى شهر فبراير.
فى 4 أبريل 2002، بعد حصول الوكيل على مصروفات الفواتير من شركةACL وعدم حصوله على أى أموال إضافية، أرسل الوكيل بريد إلكترونى آخر لرئيس الشركة، ليخبره فى تلك المرة أن الأموال الإضافية كانت «لتحفيز رجالنا وتأمين عملنا الخاص، وبخاصة الـCETS».
وفى 30 أبريل 2002، حصلت شركةACL على العقد الفرعى (عقد من الباطن) لـCETS بشكل رسمى من قبل شركةARINC المتحدة والمتعاقد الرسمى مع سلاح القوات الجوية الأمريكى، وبتمويل أولى لشركةACL وصل إلى مبلغ500 ألف دولار.
وبموجب الوثائق الداخلية فى ذلك الوقت، قدرت شركةACL إجمالى إيرادات العقد المحتملة لبرنامجCETS إلى ما يقرب من 8 ملايين دولار.
فى 4 يونيو 2002، طلب الوكيل مجدداً أموال بشكل منفصل وبصرف النظر عن الدفعات المنتظمة التى تدفعها شركةACL لسداد الفواتير المستحقة بموجب عقد العمل الفرعى.
وأشار الوكيل إلى أن النجاح الأخير الذى تحقق مؤخراً بعد تسلم الشركة خطابات عقد «المصدر الوحيد» لمشروع CETS ومشروع آخر منفصل وهو «منشأة معالجة السطح» والمعرف باسمSTF، وأضاف «رجالنا لابد أن يتم مكافأتهم قبل الـPMR ومن المهم جدا، للحفاظ على الضغط للحصول على كل الميزانية المقدرة بثمانية ملايين دولار»، فى إشارة إلى القيمة الإجمالية المتوقعة لعقدCETS.
وتشير الـPMR إلى اجتماعات فنية تعقد لمدة أسبوعين كل 6 أشهر، أسبوع فى الولايات المتحدة الأمريكية والآخر فى مصر كل عام، وذلك لمناقشة عمليات وأوضاع وتوصيات المشاريع الجديدة المتعلقة بمشروع بناء مستودع طائراتF16 فى مصر.
ويحضر الاجتماعات عادة ممثلون عن القوات الجوية الأمريكية ونظيرتها المصرية وممثلون عن سفارة الولايات المتحدة الأمريكية والمقاولون الرئيسيون للمشروع، بما فيها شركةACL.
وبعد شعور الوكيل بخيبة أمل جراء قرار شركةACL تأجيل دفع الفواتير التى قدمها العميل مقابل عقد العمل الفرعى، طلب الوكيل ألا يتم خصم تلك الأموال من فواتير عمله، كما طالب بـ«إرسال ما لا يقل عن 200 ألف دولار قبل عقد اجتماع الـPMR المقبل من أجل الوفاء بالالتزام الحالى.. وهذا سيساعد فى الحفاظ على الضغط للحصول على كل ميزانية، CETS فضلا عن مشروعSTF فى المرحلة النهائية».
وأجاب رئيس شركة ACL فى رسالة بالبريد الإلكترونى بأن الشركة خصصت 40 ألف دولار شهريا مقابل خدمات الوكيل بموجب عقد CETS «مما يسمح لك بتلبية كل التزاماتك».
ومع تأجيل توقيع عقدCETS، اقترح رئيس شركةACL صرف دفعة مقدمة للوكيل بموجب عقد الاندماج الموجود بالفعل.
بعد ذلك بيومين فى 6 يونيو 2002، أرسل الوكيل بريداً إلكترونياً آخر لرئيس شركةACL، ولكنه طلب فى تلك المرة حوالى 200 ألف دولار كمستحقات الفواتير القديمة بموجب العمل الفرعى، بالإضافة إلى دفعة مقدمة بقمية 100 ألف دولار، وأضاف الوكيل فى رسالته أن «ذلك بإمكانه مساعدتنا فى الوفاء بالتزامنا»، ورد رئيس الشركة بعد ذلك على الوكيل وطلب منه إرسال فاتورة بقيمة 100 ألف دولار إلى شركةACL على أن تحتوى الفاتورة على جملة «هذه الفاتورة عبارة عن دفع مسبق لتأجير معدات وعقد مقاولات للحصول على المواد والخدمات بموجب عقد الاندماج الخاص ببناء مستودع طائراتF16»، واستخدام رئيس الشركة حروفCapital للجملة المذكورة مؤخراً بهدف التأكيد على أهميتها.
ولكن ليس هناك ما يشير فى المراسلات بين رئيس ACL والوكيل، أو فى أى مكان آخر، إلى أنه كان هناك حاجة فعلية لتأجير المعدات أو صرف دفعات مقدمة لخدمات أخرى.
فى 10 يونيو 2002، واعتماداً على الفاتورة التى تمت صياغتها بناء على توجيهات رئيس شركةACL، سجلت الشركة الدفعة المالية المقدرة بـ100 ألف دولار بشكل غير دقيق على دفاترها بأنها حسابات مادية تتبع مشروع بناء المستودع المصرى لطائراتF16، ولكن الحقيقة هى أن مبلغ الـ100 ألف دولار تم دفعه طبقاً لفاتورة غير صحيحة وتم صرفه لأسباب لم تكن شفافة ولا تقوم على خدمة شرعية واضحة.
فى خريف عام 2002، واصل الوكيل الضغط على رئيس شركةACL لدفع مبالغ إضافية لا علاقة لها بخدمات عمله الفرعى فى مصر، وأشار فى رسالة بالبريد الإلكترونى إلى احتياجه أموالاً جديدة لمواجهة «الالتزامات» و«الحفاظ على قوة الدفع»، وكانت اللغة ثابتة على هذا الغرار فى الرسائل السابقة، التى أوضح فيها العميل أن تلك الأموال ستستخدم للتأثير على المسؤولين الذين فى إمكانهم تقديم توصية بمنح الأعمال إلى شركةACL.
ووافق رئيس الشركة على منح الوكيل الأموال التى يريدها، لكن تلك المرة بموجب «عقد تسويق»، ووفقاً لذلك، تسبب رئيس شركةACL فى تحمل شركته دفع الأموال إلى الوكيل المصرى من تمويل ليس له علاقة ببناء المستودع المصرى لطائراتF16.
وفى ديسمبر 2002، بعث الوكيل بفاتورة قيمتها 50 ألف دولار، قيمة «خدمات تسويقية فى الفترة من 2 يوليو إلى 2 ديسمبر»، وسمح رئيس الشركة، دون الاستفسار عن طبيعة الخدمات المقدمة، بصرف الفاتورة.
مع العلم بأن شركةACL لم تنفذ أو تعقد أى اتفاق تسويقى جديد مع الوكيل من شأنه أن يغطى قيمة الـ50 ألف دولار المدفوعة.
بين خريف عام 2002 و2004، تم منح شركةACL خمسة عقود إضافية أو تعديلات مرتبطة بمشروع الـ«CETS» بقيمة إجمالية قدرها 4.7 مليون دولار، بالإضافة إلى حصول الشركة على التمويل الأولى بموجب العقد فى أبريل 2002، وتسلمت شركةACL الإيرادات الإجمالية، التى بلغت نحو 5.3 مليون دولار، وأرباحاً صافية بلغت 267ألفاً و571 دولاراً، بموجب عقدCETS.
فى يناير 2004، سافر رئيس ACL إلى مصر لزيارة موقع مشروع المستودع المصرى لطائراتF16، وخلال هذه الرحلة، اجتمع رئيس الشركة بالوكيل المصرى ونائب رئيس شركةACL ومدير موقع المشروع فى شقة الأخير بالقاهرة.
وخلال هذا الاجتماع، ألمح رئيس الشركة إلى أنACL ستعفى الوكيل من الدين المستحق، الذى تبلغ قيمته 100 ألف دولار، وهى الدفعة المقدمة التى حصل عليها فى يونيو 2002.
وبدلاً من إسقاط الدين بطريقة مباشرة وشفافة، وافق رئيس شركةACL على خطة للوكيل لتقديم فواتير مزورة للشركة تجعله يبدو كأنه أنفق مبلغ 100 ألف دولار، الذى حصل عليه كدفعة مقدمة، وفى مارس 2004، تم وضع المخطط حيز التنفيذ.
التحقيق: الشركة قدمت أموالاً لوكيلها رغم علمها بأنه يستخدمها للتأثير على «مسؤولين في الخدمة»
خلصت لجنة هيئة الأسواق والأوراق المالية الأمريكية إلى أن شركةACL خالفت الضوابط الداخلية الكافية لكشف أو منع صرف مدفوعات غير قانونية، ودفعت منذ عام 1997 وحتى عام 2002، إجمالى 564 ألف دولار كـ«خدمات استشارية وتسويقية» لوكيلها المصرى (اللواء المتقاعد) دون وجود سجلات توضح تفاصيل الخدمات المقدمة.
وأضافت أن توماس وورزل، رئيس شركةACL سابقاً، سمح بصرف المدفوعات للوكيل، فى حين أنه يعلم أو يحتمل أنه تجاهل عن عمد أن الوكيل قد يقدم أو يتعهد بجزء على الأقل من تلك المدفوعات إلى مسؤولين، يعملون فى الخدمة بالقوات الجوية المصرية، بغرض التأثير على هؤلاء المسؤولين للحصولو أو الاحتفاظ بالعمل مع شركة(UCI) من خلال(ACL). ورأت اللجنة أنه من المناسب فرض العقوبات بما يتفق مع عرض التسوية المقدم من المدعى عليه «شركةUIC»:
وبالتالى، حكمت اللجنة وفقاً للقانون على الشركة المدعى عليها بالوقف والامتناع عن ارتكاب أى انتهاكات أو التسبب فى وقوع انتهاكات فى المستقبل، إعمالاً بالبنود المذكورة فى قانون سوق الأوراق الماليةExchange Act.
كما أمرت المدعى عليه بدفع 267 ألفاً و571 دولاراً فى غضون 10 أيام من تاريخه، وفائدة تصل إلى 70 ألفاً و571 دولاراً، لخزانة الولايات المتحدة.
أطراف القضية :
- لواء سابق بالقوات الجوية المصرية:
لم تفصح هيئة الأوراق والأسواق المالية الأمريكية عن هويته.
- توماس إى وورزل:
مواطن أمريكى، يقيم فى مدينة بيند بولاية أوريجون، ومنذ عام 1992 وحتى 2004 خدم وورزل رئيسا لشركة ACL وحافظ على منصبه فى مكتب بريا بولاية كاليفورنيا، وفى عام 1995، عينت شركة UIC وورزل عضواً فى فريق إدارتها العليا.
- الشركة المتحدة للتنمية الصناعية «UIC» (المدعى عليه):
مقرها وادى هانت، بولاية ماريلاند، وتركز على تصميم وإنتاج أنظمة الدفاع والنقل والتدريب والطاقة لوزارة الدفاع الأمريكية والعملاء المحليين والدوليين.
- شركة ACL المتحدة للتكنولوجيا:
شركة فرعية غير مباشرة مملوكة بالكامل (وقت ارتكاب الواقعة) لشركة UIC المتحدة، وكان مقرها سابقاً فى بريا، كاليفورنيا، والشركة الأم لها هى AAI المتحدة، وكانت شركة فرعية مباشرة مملوكة بالكامل لـ«UIC»، قبل أن تستحوذ عليها شركة تكسترون الأمريكية Textron عام 2007.
تقوم شركة ACL بتشغيل وتطوير وصيانة معدات الاختبار الثابتة والمتحركة لدعم المتطلبات الهيدروليكية والكهربائية والميكانيكية لوقود الطائرات التجارية والعسكرية.
--
نُشر في "المصري اليوم".
Asad — Sat, 2012/01/28 - 11:00am
قبل نحو ثلاث سنوات، دخلت في مشادة مع عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، كنا أمام نقابة الصحفيين في وقفة تضامنية مع غزة أثناء العدوان، وكان نظام مبارك متواطئاً مع العدو الصهيوني، وكان الإخوان يريدون منع بقية المشاركين من الهتاف «يسقط يسقط حسني مبارك»، فأخذوا يرددون بصوت أعلى «الله أكبر ولله الحمد».
وقبل أيام وجدت نفسي في ميدان التحرير، وبينما يهتف الثوار «يسقط يسقط حكم العسكر»، ترد منصة الإخوان بهتاف «إيد واحدة»، و-يا للعجب- بأغانٍ عن ثورة يوليو تقول إحداها «وانتصرنا يوم ما هب الجيش وثار».
في ديسمبر 2008 قلت إن في فم الجماعة ماء، وفي يناير 2012 أقول إن على رأسها «بطحة»، ولا أدري متى يمن الله عليها فتبرأ من الظروف الخاصة والأوضاع الاستثنائية التي لا تنتهي.
وقعت مساء الجمعة 27 يناير مشادات وأحداث مؤسفة بين الإخوان والثوار أخطأ فيها الطرفان، ولا أحب الخوض فيها الآن، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مصارحة بعيداً عن رومانسيات «إيد واحدة»، التي لن تحفظ وحدة الثورة طالما اختلفت الأهداف والمصالح والتحالفات.
كيف يرى الإخوان أنفسهم الآن؟
هل هم الفصيل الذي منحه الشعب ثقته فحصل على ما يقرب من نصف أصوات الناخبين، وبالتالي أغلبية أول برلمان منتخب بإرادة حرة؟ أم هم الجماعة التي تحمل على ظهرها إرث 83 عاماً من المآسي والصراع مع الأنظمة المتعاقبة من أجل الحفاظ على جسد التنظيم لدرجة عطلت معها غريزة البقاء عند الجماعة سواها من الدوافع والغرائز، ووأدت معظم احتمالات التطور؟
إذا كانوا يرون أنفسهم فائزين بالأغلبية وممثلين للشعب الذي قام بثورة من أعظم ما سجله تاريخ الإنسانية فلمَ يفرون من تحمل مسؤوليتهم تجاه هذا الشعب؟ ولماذا يرفضون أي ضغط على المجلس العسكري الذي نعرف ويعرفون أنه البقية الباقية من نظام مبارك الذي سامهم سوء العذاب.
ولماذا، وقد من الله عليهم بالنصر والتمكين، لا يزالون يعيشون نفسياً وعملياً في عهد الاستضعاف فيعطون الدنية في سياستهم أمام العسكر، ويلجأون لـ«الحسبنة» والدعاء وترديد أدبيات «الابتلاء» و«الصبر والاحتساب» في مواجهة انتقادات خصومهم السياسيين المفترض أنهم «أقلية» يتعامل معها «الأكثرية» بمنطق الاحتواء لا الخوف والفزع واستدعاء المظلوميات القديمة.
وإذا كانوا يرون أنفسهم مازالوا في مرحلة الاستضعاف ولم ترسخ أقدامهم بعد في السلطة رغم الملايين التي انتخبتهم، فعلام إذن هذا التعالي على خلق الله والاستخفاف بالقوى والتيارات الأخرى التي باتت موضع تسفيه وتجاهل وطعن، بدأ قبل بيان «جمعة الوقيعة»، ولم ينتهِ عند تقديم بلاغ ضد الاشتراكيين الثوريين بتهمة «إسقاط الدولة»! وهم الذين تحالفوا مع الإخوان قبل الثورة وحاربوا ضد قمعهم.
لم تنتصر الثورة بعد، ولا تزال معركتها مع العسكر مستمرة، فهل الإخوة مكملين معانا ولا نزلوا في محطة البرلمان؟
لا مشكلة في الحالتين، للثورة شعب يحميها، المهم أن تحسموا أمركم لأن هذا التردد سيؤدي للكثير من سوء الفهم وسوء التصرف من جميع الأطراف.
لن أخاطب هنا قيادة الجماعة التي أعلم حجم سيطرتها على التنظيم، ولكني أسأل كل أخ: هل تعتبر نفسك الآن جزءاً من النظام الذي صرتم تسيطرون على سلطته التشريعية؟ أم جزءاً من الثورة التي تصرون على أنكم ما زلتم شركاء فيها؟
للأسف لا يمكن الجمع بين عضويتي النظام والثورة. لأن الرأس العسكري للنظام ومتخذ القرار الحقيقي فيه جزء من النظام المخلوع، ولا توجد طريقة لفض هذا الاشتباك إلا بانتخاب رئيس مدني في أقرب وقت، ثم وضع الدستور بعيداً عن سلطة العسكر، وحينها يمكننا القول إنكم كأغلبية برلمانية جزء من نظام سياسي جديد أنتجته الثورة.
أما الآن، وطالما أن الذي يحكمنا هو المجلس العسكري الذي أرسل له البرلمان برقية شكر وتبجيل، فيمكنكم أن تحاولوا تشكيل جناح ثوري داخل نظام مبارك في طبعته الأخيرة، ولكن الثورة لن تقبل جناحاً يمثل هذا النظام فيها.
أرجو من شباب الإخوان أن يفكروا في هذا الأمر ويراجعوا قياداتهم، لأنني أعلم إخلاصهم وحسن نواياهم وشجاعتهم التي كانت مضرب الأمثال في «موقعة الجمل» وفي كل معركة تعهد إليهم الجماعة بخوضها.
وكما لا أقبل من أحد أن يستخف بالبرلمان الذي انتخبه الشعب، أو يتهم شباب الإخوان بالخيانة أو التفريط في دماء الشهداء، وقد كان من بينهم شهداء، فلا أقبل من هؤلاء الشباب تصديق من يقول لهم إن المختلفين معهم وخصوم الجماعة السياسيين مجرد «علمانيين» معادين لتحكيم دين الله، أو «حاقدين» يتطاولون على «أسود الدعوة»، لأنهم خسروا الانتخابات!
هذا وقت الفرز والاصطفاف، فاسألوا من أعطاكم التكليف بنزول التحرير لحماية «المنصة» عمّا كانت الجماعة تفعله هناك؟ إذا كانت تشارك في الثورة فلماذا لم تهتف ضد العسكر إلا بعد «رفع الأحذية»؟ وإذا كانت تحتفل فأي احتفال هذا الذي يستمر ثلاثة أيام؟ وإذا كانت تحمي الميدان فأين ذهبت حين سالت الدماء وانتُهكت الأعراض في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء؟ اسألوهم لماذا ظل الإخوان منذ دخولهم مساء 24 يناير متوجسين متربصين في جانب، بينما ظل الميدان –على اختلاف أهله- واحداً لا يتميز فيه ثائر عن آخر؟
ما زالت الثورة في حاجة للجميع، ولا أحد سيستفيد من الشقاق سوى الديكتاتورية العسكرية، من دخل الميدان ثائراً فهو آمن ومحل تقدير واحترام، بشرط أن يرى الإخوان في الثوار أحمد حرارة، وليس ممدوح حمزة، وأن يرى الثوار في الإخوان مصعب الشاعر، وليس صبحي صالح.
والله الموفِّق والمستعان.
نُشر في "المصري اليوم".
Asad — Sat, 2012/01/21 - 11:00am
ما سبب الاشتباك الحاصل الآن بين الثورة والمجلس العسكري؟
يقول الثوار إن المجلس أفرغ الثورة من مضمونها، وعمل على إجهاضها وحماية النظام السابق وتشويه الثوار، ثم تلطخت يده بالدماء في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، ومن ثم فإنهم يطالبون بإسقاطه وتسليم السلطة للمدنيين.
ويقول المجلس إنه حمى الثورة ويؤيد أهدافها، وإنه حافظ على البلاد في وقت عصيب، وسيعاقب أي مخطئ خلال الأحداث الأخيرة، ويؤكد أنه ليس طامعاً في الحكم، وسيسلم السلطة في 30 يونيو، ثم يعود لممارسة «دوره».
وما لا يقوله الطرفان عادة هو أن الصراع الحقيقي يكمن حول المطالب «الفئوية» للمؤسسة العسكرية، أي حدود دورها وامتيازاتها ومدى سيطرة المؤسسات المدنية المنتخبة عليها.
تعمد الجنرالات بعد استفتاء مارس أن يشيعوا حالة من الغموض حول مسار المرحلة الانتقالية، ولم يحددوا موعداً لتسليم السلطة، وباتت التوقعات تدور حول منتصف 2013، حتى بدا للبعض أنهم ينتظرون اللحظة المناسبة لإعلان بقائهم في الحكم، ونجحت هذه السياسة في إرسال إشارة لبعض القوى التي سارعت بتقديم «ضمانات» للعسكر، بعد تكرار تصريحات من عينة ما قاله اللواء ممدوح شاهين نهاية مايو 2011، حيث طالب بـ«وضع خاص» للقوات المسلحة فى الدستور الجديد، «حتى لا تكون تحت هوى رئيس الدولة».
التقط المستشار هشام البسطويسي الخيط بوثيقة طرحها في 3 يوليو، لتحديد وضع الجيش في الدستور، كان من بين ما تضمنته أن «الميزانية السنوية للقوات المسلحة تدرج رقماً واحداً فى ميزانية الدولة، وينظم القانون طريقة إعدادها ومراقبة التصرف فيها ويحظر مناقشتها فى علانية، أو نشر بياناتها، جملة أو تفصيلاً، لمدة لا تقل عن ثلاثين عاماً، وذلك استثناء من أي قانون آخر»، إلى جانب «موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل صدور أى تشريع أو تعديل يتصل بشأن من شؤون القوات المسلحة»، كما قيدت الوثيقة رئيس الجمهورية في توجيه القوات المسلحة بأداء مهامها خارج حدود الوطن أو فى الدفاع عن حدوده، واشترطت موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الدفاع الوطنى، إلى جانب البرلمان، على توجيهات الرئيس في هذا الشأن.
واجهت وثيقة «البسطويسي» معارضة شديدة من جانب القوى الثورية، وغير الثورية «كعمرو موسى»، ورد القاضي السابق بعصبية على منتقديه، مؤكداً أنه يرى ما لا نراه، وأنه لم يطرح الوثيقة نفاقاً للعسكر، بل لإنقاذ البلاد من مصير أسود ينتظرها، إذا لم تمنح هذه الضمانات لقادة المجلس، وبعدها تهاوت أسهم «البسطويسي» كمرشح محتمل للرئاسة، وخرج من الساحة السياسية.
وكما تفعل أي جماعة عمال أو معتصمين ممن يلعنهم المجلس العسكري كل صباح ويتهمهم بالأنانية وتعطيل عجلة الإنتاج، قطع العسكر طريق المستقبل أمام البلاد، وأخذوا السلطة رهينة، رافضين إعلان موعد تسليمها قبل أن يمنحهم الجميع ضمانات تجعلهم فوق القانون، ودولة داخل الدولة.
وقد حققت الثورة انتصاراً جزئياً في هذا الملف، حين أجبرت المشير طنطاوي على الخروج في خطاب متلفز ليعلن أن الرئيس المنتخب سيتسلم السلطة بحلول نهاية يونيو 2012، لكن الثمن كان دماء أكثر من 50 شهيداً في أحداث محمد محمود.
واليوم يظن العسكر أن بإمكانهم عقد تفاهمات مع القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية، ليس من أجل «الخروج الآمن» والعودة إلى الثكنات، بل من أجل «الدخول الآمن» في معادلة الحكم، كطرف ثالث فوق الرئيس والبرلمان، يلوي ذراع السلطات المدنية المنتخبة، ويفرض إرادته عليها.
والحق أقول لكم، لا تصدقوا أي «نصّاب» يزعم أنه يستطيع أن يضمن لأي منكم أن يفلت من العقاب على دم أو مال حرام.
الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة، مهمتها حماية أمن البلاد وسلامتها بالكيفية التي تحددها السلطة المدنية المنتخبة، ويجب أن تخضع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية التي ارتضاها الشعب، شأنها في ذلك شأن وزارة الزراعة ومصلحة التليفونات.
أعطاكم الشعب سلاحاً لكي تصدوا عنه العدو الخارجي لا لكي تفرضوا إرادتكم عليه، جنودكم وضباطكم من أبناء الشعب، ورواتبكم من جيبه، وإنجازات الجيش وبطولاته ملك حصري خالص للشعب المصري، ولا يحق للجنرالات أن يبتزوا الأمة المصرية فقط لأنهم رفضوا إطلاق الرصاص على أبنائها في يناير ولم يطلقوه إلا في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.
لستم أحرص من أي مصري على قوة جيشه وسلامة مؤسسته العسكرية، أريد جيشاً وطنياً محترفاً، أقوى من جيش الكيان الصهيوني، لا يعتمد على معونة أمريكا وسلاحها، تلتزم الدولة بتوفير كل احتياجاته من ميزانيتها، وتضمن له أن يكون الأقوى في الشرق الأوسط، وسأخرج بنفسي لإسقاط أي سلطة تضعف الجيش أو تقصر في دعمه وتطويره.
لكنني لا أريد جيشاً يستولى على أكثر من 20% من الاقتصاد القومي ويستغل المجندين كعمال بالسخرة دون محاسبة أو رقابة، لا أريد جيشاً يتاجر في الأراضي وينشغل جنوده بتربية الماشية والدجاج وجمع البيض وصناعة الكعك والمكرونة وتقديم المشروبات في قاعات الأفراح، أريد مصانع حربية تنافس الصناعة العسكرية الإسرائيلية وليس مصانع تنتج حلل المطابخ والغسالات، ثم تحاكم العمال عسكرياً إذا طالبوا بحقوقهم.
أريد جيشاً يتناقل العالم أنباء إنجازاته التقنية والعسكرية، وليس صور جنوده وهم يقتلون المتظاهرين ويسحلون النساء في الشوارع.
يجب أن تتخلص المؤسسة العسكرية من إرث «مبارك» وتؤدي دورها بكفاءة واحتراف بعيداً عن حسابات المصالح السياسية والاقتصادية، وعلى البرلمان الممثل لإرادة الشعب أن يحمي جيش مصر الوطني من أهواء أعضاء المجلس العسكري ومطالبهم الفئوية.
الثورة مستمرة لإنقاذ «جيش 73» من «عسكر 2011».
موعدنا 25 يناير.
--
نشر في "المصري اليوم".
Asad — Thu, 2012/01/19 - 11:53am

الجمعة 11 فبراير 2011.. في السادسة وعشر دقائق، أكتب خبراً تقول فقرته الثانية: «وعمت الاحتفالات أرجاء البلاد التي شهدت معظم مدنها اليوم مظاهرات حاشدة شارك فيها الملايين من أبناء الشعب مطالبين برحيل مبارك وتغيير النظام الفاسد الذي حكم مصر 30 عاماً».
تحققت الأمنية التي ملّ الأصدقاء من تكراري لها كل عيد ميلاد، خلعنا مبارك، أسقطناه في 18 يوماً، وبعد ثورة حددنا موعدها مسبقاً، هذه لحظة لم يجرؤ أكثرنا حماقة على أن يحلم بها، قبل أيام كانت أقصى أمانينا أن يموت حسني فيأتي جمال.. ويفشل سريعاً، أو يأتي عمر سليمان.. ويموت سريعاً.
عشت سنوات أحلم بما جرى وأسعى لتحقيقه، أتخيل كل يوم عشرات الآلاف في ميدان التحرير بينما يعلن خطيب متحمس أن إسقاط النظام بات مطلباً شعبياً، وحين حدث الأمر بالفعل أجدني الآن أحاول جاهداً فهم ما جرى حقاً، وإدراك أثره، على الأقل على نفسي ومن حولي.
اتصلت ليلة 28 يناير ببعض من أحبهم بعد انقطاع الإنترنت، علمت أنني سأستيقظ يوم الجمعة على عالم جديد، لا أعرف ملامحه، لكن كل الاحتمالات كانت مفتوحة، وجميعها كان على قطيعة تامة مع كل ما عرفته واعتدت عليه.
حين رأيت عشرات الآلاف في الشوارع بعد صلاة الجمعة رغم حشد السلطة لكل قواتها في معركة البقاء علمت أننا نجحنا، تنتصر الثورة في أولى معاركها، وتفتك في طريقها بكل شيء، هذه مصر أخرى غير التي باتت خائفة تترقب، جديدة لا يمكن يتوقع مجريات أحداثها، عصية لا أحد يحمل مفاتيحها، تغير فيها التاريخ والجغرافيا، وتغير البشر.
تغيرت أنا أيضاً، فبعدما كنت أجزع لرؤية إنسان يصاب بجرح، وجدتني ذات مساء في نوفمبر الماضي أسند ظهري إلى حائط المستشفى الميداني، بجوار جثة شهيد يرتدي قميصاً أزرق- تماماً كقمصاني المفضلة-، وكل ما فكرت فيه هو التقاط صورة له ورفعها على تويتر، بينما ينتهي الأطباء من إفاقة صديقة أصيبت بنوبة ذعر أثناء هجوم قوات الصاعقة والمظلات على الميدان.
في الساعة الأولى بعد ظهر 28 يناير حاولت إقناع بعض الشباب بعدم استخدام العنف مع الشرطة، قبل أن تحتدم المواجهات، وفي موقعة الجمل تقدمت إلى الصفوف الأولى وبقيت بلا فائدة تذكر دون أن ألقي حجراً خوفاً من إلحاق أذى كبير بمن كانوا يريدون سحقنا!، لكنني لم أتردد لحظة قبل أن ألقي أشياء كثيرة في 28 يونيو، و23 يوليو، و19 نوفمبر، و16 ديسمبر، وأجدني الآن تواقاً للمرة القادمة التي سنضطر فيها للدفاع عن أنفسنا، والنيل من السفلة.
المشكلة الوحيدة، كما قال علاء، أن اللواء حمدي بدين لا يعرف «أن بين صفوفنا من يخاف والدته أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات»، فأمي تؤيد الثورة وتعلم بحدسها كل مرة أين أنا حتى لو كذبت عليها، وفي كل مرة أفكر في الخيار الأفضل بالنسبة لها، إذا لم أتمكن من العودة سالماً، هل أكون معتقلاً (قد لا يظهر مجدداً) أم مصاباً (قد لا يشفى أبداً) أم شهيداً؟ ودائماً ما أفشل في الإجابة، وأنسى أن أسألها.
حسناً، لم تكن تلك المشكلة الوحيدة. ثمة مشاكل أخرى.
أسير يومياً في الشارع الذي سحقت فيه السيارة الدبلوماسية شباناً كنت أقف معهم، وأمر بجوار بقعة ذقت فيها لأول مرة طعم الدم وعرفت أثر طلقات الخرطوش، ليست مؤلمة، فقط وخز خفيف، وخدر لذيذ، لن تنزف الكثير، يكمن الجزء المتعب في اكتشاف أي الطلقات بقيت تحت جلدك، واستخراجها سهل، طالما لم تكن في عينك، كمالك، صديقي الذي تابعتُ تطورات حالته عن بعد ولم أزره أو أسأل عنه، لأنني لم أجد شيئاً يمكن أن أقوله له.
الشوارع لم تعد مجرد شوارع، ولم يعد بوسعي التعامل بشكل طبيعي مع التحرير وعبد المنعم رياض وطلعت حرب ورمسيس والجلاء وقصر العيني ومحمد محمود وباب اللوق ولاظوغلي والشيخ ريحان ومنصور والفلكي و26 يوليو. في كل منها يتجدد مشهد لا أستطيع الفكاك منه.
وعلى المستوى الشخصي، أصبحت أكثر عدوانية وسخافة، خذلت أصدقاء وأحباء أرجو أن يسامحوني، وتعطلت الكثير من وظائفي الإنسانية، وحتى مناعتي الصحية تأثرت، ودخلت في دوامة عمل صحفي مرهقة ولا نهائية مع تسارع الأحداث في الشارع، لم أستطع وضع حد لها إلا قبل أيام.
هذا ليس إحباطاً، ولست قلقاً على الثورة، فقد دفع ثمن استمرارها مقدماً مينا دانيال وعلاء عبد الهادي وعماد عفت، وآمنت بها أقلية قوامها بضع ملايين لكنها كافية لتبقى جذوتها مشتعلة، ويستعد للانضمام إليها جيل جديد سيخرج من المدارس والجامعات عصياً على أي سلطة.
الثورة مستمرة بالدم في الشوارع ولها في كل شهر معركة على الأرض: 28 يناير، 2 فبراير، 9 مارس، 9 أبريل، 15 مايو، 28 يونيو، 23 يوليو، 1 أغسطس، 9 سبتمبر، 9 أكتوبر، 19 نوفمبر، 16 ديسمبر، ونحن على بعد أيام من الاستحقاق الجديد، والدم في «يناير» ليس كالدم في غيره.
ووسط كل هذا، لا يساعد المرء على تمالك نفسه وحفظ إنسانيته سوى أمور كروعة ثبات ماري دانيال، وشجاعة «ست البنات»، وثقة والدة أحمد سرور «كل واحد في التحرير أحمد»، وفدائية مسعفي «الموتسيكلات»، ولمسة على الكتف من مجهول في ظلام محمد محمود، وحب من أصدقاء وصديقات ربما لم يجمعني ببعضهم سوى الميدان، والأهم: رفاق معركة يواجهون الموت ضاحكين، ويصدون هجمات العسكر كما كانوا يلعبون الكرة في حواري أحيائهم.
كل ما في الأمر أنني لا أزال عالقاً في 28 يناير.
Asad — Sat, 2011/11/05 - 9:15am
«اتجمعوا العشاق في سجن القلعة.. اتجمعوا العشاق في باب الخلق»، كانت «إسكندريلا» تغني في حديقة الأزهر، بينما عاشق وحيد يقضي ليلته في الظلام داخل سجن قذر بباب الخلق، يفكر فيما إذا كان سيتمكن من حضور ولادة ابنه الأول.
لن أكتب عن علاء عبد الفتاح، بل عن حلمه وحلم جيلنا، عن 6 سنوات بدأناها بـ«يسقط يسقط حسني مبارك» حين كان رئيساً مدى الحياة ونصف إله، ونواصلها بـ«يسقط يسقط حكم العسكر» حين صاروا جنرالات السلطة المطلقة، بيدهم الحكم والتشريع والقضاء العسكري «الملاكي».
والحق أقول لكم، أنا فخور بما صنعناه، بشعلة الحرية التي نفخنا فيها من روحنا حتى أحرقت نظام مبارك، بالطاغية مدعي المرض خلف القضبان، بمبنى الحزب الوطني المحروق على الكورنيش، بحبيب العادلي في بدلته الزرقاء، بالبرلمان المنحل والدستور الساقط، بـ«الشاب الذي أوقف المدرعة»، بدموع أمهاتنا أمام صور الشهداء، والأهم.. بـ«علي ماهر» و«رامي محسن» و«مينا دانيال» وشهداء ما زلنا نقدمهم ثمناً للحرية حتى ترضى.
لم تنتهِ المعركة، ولن تنتهي طالما بقي على هذه الأرض مصري ذاق طعم الحرية لحظة، أو مصري قابل الموت واحتفظ على جسده بتذكار، أو مصري حمل أخاه الشهيد، أو مصري أعزل حارب آخر جيوش الظلم يوم «الجمل» ولفحت وجهه رياح النصر فجر الثالث من فبراير، أو مصري نام على رصيف الميدان وحوله أبناؤه يتعلمون درس الكرامة.
وبعد 9 أشهر من الثورة، يحاصرنا العسكر و«الفلول» و«الخائفون من الحرية» بالكثير من الملل والإحباط والتباطؤ والتواطؤ والتشويه الشخصي وترديد أفكار ومقولات من تراث العبودية.
ولأننا في موسم انتخابي، يفكر البعض ويتعاطون الثورة والسياسة بعقلية مندوبي المبيعات وخبراء التسويق، وانطلقت حملات «الولولة» تحت شعار «الشعب يكره الثورة»، مدعومة بحواديت مصاطب وميكروباصات مفادها أن «الناس» باتوا يشتمون «شباب الثورة» ويشاهدون برامج «سبايدر» و«عكاشة»! وأن علينا التوقف عن إثارة المتاعب والاكتفاء بما تحقق. لذا وجب التنبيه:
1- الثورة ليست حملة علاقات عامة، الثورة إرادة حرة تنتصر أو تموت ولا يوجد خيار آخر.
2- الهدف من «كسب الشارع» هو دفعه لدعم الديمقراطية وأهداف الثورة، لكن حشد المؤيدين والأنصار ليس هدفاً في حد ذاته إذا كان سيجرنا إلى التنازل عن مبادئنا أو إخفاء مواقفنا الحقيقية أو تقديم تنازلات عن حقوقنا.
3- مصر كبيرة، كبيرة جداً، فيها ملايين من كل الأصناف، ملايين على «الكنب»، وملايين في «التحرير»، وملايين في مظاهرات السلفيين، وملايين تردد ما يقال لها على القناة الأولى، وملايين ليست مهتمة بأي شيء خارج بيوتها، وكل واحد يمكنه أن يركز مع الملايين «اللي تريحه»، وأنا شخصياً مهتم أكثر بالملايين التي استجابت لنداء النفير الوطني العام ظهر 28 يناير وخرجت من كل شارع لتسحق قوات النظام في 4 ساعات، وسأظل أراهن عليها وأثق في يقظتها وتدخلها في الوقت المناسب.
4- بعد 30 سنة من إعلام مبارك وتعليم مبارك وأخلاق مبارك و«مصر مبارك»، مجتمعنا في حاجة إلى العلاج، إلى مصارحة بأن أغلبنا ليسوا أسوياء، وليس إلى المزيد من نفاق رجل الشارع وتنويمه وملئه باطمئنان زائف لخيارات فاسدة لم يخترها بعقل حر أصلاً.
5- قرارات الشارع واجبة النفاذ، لكنها ليست صحيحة بالضرورة، نحترم خيارات أغلبية لم تتعافَ من طول معاشرة الاستبداد ونشجعها على ممارسة مواطنتها الكاملة، لكن لا يصح أبداً أن نقول إنها على حق في كل شيء بينما واجبنا أن نساعدها لتتغير.
6- الثورة لا تحكم البلد، لسنا مسؤولين عن أزمات الخبز والجاز والبوتاجاز وضياع حقوق العمال وارتفاع معدلات البطالة، دورنا توجيه غضب المجتمع إلى وجهته الصحيحة، وليس اجترار ما يلوكه الإعلام الرسمي وتفخيخ مسار الثورة بهذه الملفات التي لم تستلمها بعد.
7- نعم، الثوار يرتكبون الأخطاء، وسيستمرون في ارتكابها طالما ظلوا أحياء، وبعض هذه الأخطاء يمكن أن تستعدي قطاعات من الشارع، لكن هذا ليس مبرراً لوقف الثورة أو لعنها، هل ستتوقف ثورة «شعبية» لأن الجالسين أمام التلفزيون لا يحبون «فلان» أو «فلانة» من الثوار؟
8- التغيير يحدث ببطء، عام 2005، لم يتجاوز «الثوار» المئات أو الآلاف في أفضل الحالات، وكان المارة في الشوارع يسخرون منهم، وكان الأمن يسحقهم، وكانوا محبطين، لكن واحدة من أكبر الثورات الشعبية في التاريخ رددت هتافاتهم بعدها بست سنوات، ولا شك أن مجتمعاً مر بثورة سيكون مستعداً للتغيير بوتيرة قد تفاجئ أكثر الناس تفاؤلاً.
نحن أقوى من العسكر، لأننا حاربنا وانتصرنا على قائدهم الأعلى بينما هذا الجيل من قادتهم لم يخض أي حرب، لأننا كنا نقول «لا» وندفع ثمنها في الشوارع بينما كانت أظرف «بدل الولاء» في طريقها إلى مكاتبهم، أميل إلى أن الجولة الثانية ستأتي سريعاً جداً بعد الانتخابات، وأنتظرها كما لم أنتظر شيئاً من قبل في 25 يناير 2012.
وفي كل الأحوال، نحب حقاً أن نستدفئ بالميادين الممتلئة والأغلبية الراضية عن «الشباب الطاهر»، لكننا سنمضي في الطريق حتى إذا بقينا وحدنا، ببساطة -كما فعل علاء- سنفعل ما نجده صواباً وندافع عما نراه حقاً، أيا كانت النتائج و«الخسائر»، الثورة ليست نزهة، الثورة معركة تغيير جذري مؤلمة ومكلفة وطويلة، الثورة نار وقودها الدماء، اللي خايف يروح.
Asad — Thu, 2011/08/18 - 1:05am
في بدايات حكم مبارك سألته مجلة «المجلة» عام 84 عن أحلامه فقال: «الأحلام دي بالليل وإحنا نايمين أما النهار فهو مخصص للشغل فقط»، وبعدها بثمانية عشر عاماً سألته مجلة «أكتوبر» عن أمنياته للعام الجديد في يناير 2002 فقال: «أنا لا أضيع وقتي في الأحلام وأفكر في حدود الممكن وأمنياتي محكومة بالظروف».
ما جرى بين 14 أكتوبر 1981 و11 فبراير 2011 كان ببساطة تجسيداً لمأساة أن تسلم أمة مستقبلها لرجل بلا أحلام، دون خيال، موظف عسكري نمطي انتهى به الحال طاغية لا يسمع ولا يرى ولا يفهم، وأمة أضاعت من عمرها 30 عاماً من «الجري في المكان»، والحفاظ على استقرار لا يؤدي إلى أي شيء.
وما جرى في 25 يناير لم يكن إلا نتيجة لأن عدة آلاف من شباب مصر نجحوا في إنقاذ خيالهم من عمليات الإخصاء الممنهج، وامتلكوا جرأة الحلم، فأشعلوا شرارته في قلوب المصريين وصدقهم الشعب فنزل إلى الشوارع في 28 يناير معلناً أنه استرد أحلامه، وسيموت دفاعاً عنها.
ومشهد الفرعون داخل القفص في 3 أغسطس كان انتصاراً للخيال، لن ندرك أبعاده وأثره إلا حين نرى أبناءنا في الابتدائية بعد 20 عاماً يجيبون عن سؤال «من قائل العبارة التالية: هذه الاتهامات أنكرها جميعاً؟»، كما كنا ندرس «وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا».
ورغم أجواء الإحباط بين الثوار بعد إجهاض تحركاتهم في الشارع، واحتلال ميدان التحرير من قوات الجيش والشرطة التي يبدو أنها قرررت الاعتصام فيه إلى مالا نهاية، لتشغل بوجودها المادي حيزاً من الفضاء العام يؤلم السلطة أن ترى الثوار فيه، إلا أن ما تحقق حتى الآن واقع أفضل 100 مرة من حلمنا الكبير ليلة 25 يناير: «إقالة العادلي».
ومن المهم الآن أن ندرك أن الاستجابة لمطالبنا وتحقيق المزيد من أهداف الثورة يتناسب طردياً مع انخفاض الروح الثورية في الشارع وتزايد حالة التململ من ظروف المرحلة الانتقالية التي سنخوض بعدها معارك من نوع مختلف، على رأسها الانتخابات.
أحد الأسباب الهامة لهذا الإحباط هو تأرجح المجلس العسكري الدائم بين انحيازه المحدث للثورة، وولائه القديم للنظام، ولعل آخر ملامح هذا الفصام في شخصية المجلس العسكري ظهر مؤخراً ضمن كتاب «معلومات عن مصر»، الذي توزعه الكلية الحربية على الطلاب المتقدمين للالتحاق بها وتختبرهم فيه.
تضمن الكتاب بحسب ما نشرته جريدة «البديل» لائحة بإنجازات عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك من بينها «ضمان استقلال القضاء»، و«ضمان حرية الفكر»، و«تأكيد الممارسة الديمقراطية»، في حين وصف الكتاب نفسه في فصل آخر عن ثورة يناير عصر مبارك بأنه «عهد البؤس»، معتبراً أن نظامه استعان بـ«البلطجية والمأجورين والإعلام الرسمي المضلل لخلق رأي مضاد للثورة ولكنه في النهاية فشل في قمع الثورة أو القضاء عليها».
هذه الأزمة النفسية الحادة لدى المجلس العسكري تنعكس على أدائه السياسي، فهو يعلن تأييده للثورة تارة ويعتقل الثوار تارة أخرى، يستقبل قيادات 6 أبريل ثم يصدر بياناً يتهمهم بالخيانة دون دليل، يتلكأ في تنفيذ مطالبنا ثم إذا اضطر للاستجابة وضع أمامنا الطعام قائلاً: «كلوا بالسم الهاري».
رغم هذا لست قلقاً على الإطلاق، لأن شوارعنا سيكون فيها بعد سنوات جيل جديد، تفتح وعيه على الملايين يهتفون في الشوارع طلباً للعدل والحرية، وعلى حرب شوارع انهزم فيها الاستبداد في 4 ساعات، وعلى مصر التي تحاسب أكبر رأس فيها وتوقفه أمام العدالة قائلاً «أفندم أنا موجود».
هذا الجيل الذي حقق أول أحلامه في نصر أسطوري مجيد خفقت له قلوب شعوب العالم لن يقوى على مواجهته «موظفون» بلا أحلام.. هذا الجيل سيحلم كما اعتاد، وسينتصر لأنه دفع ثمن أحلامه دماً.. سيهزم «الكهنة» و«الكهول فاقدي الخيال» والديكتاتور الذي يرى الآن أول كوابيسه في قفص الاتهام.
Asad — Sat, 2011/08/13 - 5:48am
دار هذا الحوار القصير بيني وبين حسين عصر يوم 28 يناير، كنت قد لجأت إلى مقهى تم تكسيره وظل مفتوح الأبواب في شارع الجلاء باحثاً عن «فيشة» لإعادة شحن هاتفي، فوجدته هناك يبحث عن زجاجات فارغة ليصنع منها قنابل مولوتوف، فأدرت كاميرا الفيديو وتحدثت معه.
كان الطفل الفقير الذي لا يتجاوز عمره بأي حال 13 عاماً، منخرطاً في حرب شرسة على بعد أمتار مع كتيبة أمن مركزي وُضعت بدورها في مواجهة حسين ورفاقه، أفرادها أيضاً فقراء أبناء فقراء، بينما كانت فتاة من الطبقة المتوسطة تبكي وتصرخ «مش هسيبها يا كلاب» مشيرة إلى سيارة «جراند شيروكي» تلتهمها النيران، وفشل الثوار في إطفائها رغم محاولاتهم المتكررة.
لا أدري إن كان حسين عاد إلى أمه مساء جمعة الغضب أم لا، ربما كان بحكم عدم حمله بطاقة شخصية واحداً من شهداء الثورة «مجهولي الهوية»، وإذا كان قد بقي حياً فأين هو الآن، وكيف يرى المشهد بعد 6 أشهر؟